سيد محمد طنطاوي
18
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
أرشدتهم في كثير من آياتها إلى طريق الحق حتى يسلكوه ، وحتى لا يكون لهم عذر يوم القيامة . وأمرت النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم في كثير من آياتها - أيضا - أن يكشف لهم عن ضلالهم وفسوقهم عن أمر ربهم . ومن ذلك قوله - تعالى - : قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّه وما أُنْزِلَ إِلَيْنا وما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ . وقوله - تعالى - : قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ والإِنْجِيلَ وما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ . وقوله - تعالى - : قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ ، ولا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ ، وأَضَلُّوا كَثِيراً ، وضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ . وقد ذكرت السورة الكريمة - كما سبق أن أشرنا - ألوانا من مسالك اليهود الخبيثة لكيد الدعوة الإسلامية ، كتحاكمهم إلى النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم لا بقصد الوصول إلى الحق ، وإنما بقصد إظهاره بمظهر الجاهل بأحكام التوراة ولكن اللَّه - تعالى - خيب سعيهم ، وأبطل مكرهم ، وكاستهزائهم بالدين الإسلامي وشعائره : قال - تعالى - : وإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُواً ولَعِباً ، ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ . كما ذكرت - أيضا - أنواعا من رذائلهم التي من أشنعها : نقضهم للعهود والمواثيق ، ومسارعتهم في الإثم والعدوان ، وأكلهم أموال الناس بالباطل ، وتكذيبهم للرسل تارة ، وقتلهم لهم تارة أخرى . أما فيما يتعلق بالنصارى فقد تميزت سورة المائدة بالإفاضة في الحديث عنهم بصورة لا تكاد توجد في غيرها بهذه السعة . فقد تحدثت عن عقائدهم الباطلة ، وعن أقوالهم الكاذبة في شأن عيسى عليه السلام - وفي شأن أمه مريم ، وردت عليهم بما يدحض حجتهم ، وبما يرشدهم إلى الصراط المستقيم . وقد أنصفت السورة من يستحق الإنصاف منهم ، وبشرت أولئك الذين اتبعوا الحق منهم بالثواب الجزيل من اللَّه - تعالى . 4 - أن الذي ينظر في الأحكام والتشريعات والتوجيهات التي اشتملت عليها سورة المائدة يراها تمتاز بأنها أحكام نهائية لا تقبل النسخ . وخذ على سبيل المثال ما ورد في هذه السورة بشأن تحريم الخمر ، فإنك تراه قاطعا وحاسما في التحريم .